الشيخ محمد هادي الطهراني النجفي

8

محجة العلماء في الأدلة العقلية

اما الأول فلان الاحكام التي يبحث عنها في هذه المباحث من حجيّة القطع وعدم حجيّة الظّنّ والأصول العملية لا يتوقف شيء منها على الالتفات نعم لا يتمكن الغافل من العمل على هذه الأحكام كالعاجز ولا ترجيح للالتفات على القدرة مع أن الحرىّ اعتبار ما له دخل في نفس هذه الأحكام المبحوث عنها لا ما يتوقف عليه الاخذ بها في انقسام القطع بالعلم والجهل المركب واما القطع فهو على قسمين الأول العلم الأول العلم والثاني الجهل المركّب والحجيّة انما هو للعلم واما الجهل المركب فيشارك البسيط في كونه عذرا فالقطع من حيث هو لا حكم له في الباب على ما سيتفتح إن شاء الله اللّه تعالى واما الظن فانّه ليس قسيما للعلم والجهل بل انّما هو جهل في حد نفسه ولا حكم للعقل بالنسبة اليه من حيث إنه ظنّ بل لم يثبت الاعتبار من الخارج أيضا الّا للظّنون النوعيّة الّتى هي في الحقيقة أصول فالبحث عن الظنّ ليس الّا للتّنبيه على أنه جهل لا وجه للرّكون اليه بل لم يقم دليل على اعتباره وكيف كان فيجب الاعراض عنه ودرج البحث عن الأصول اللفظيّة وما يشاكلها في مباحث العلم حيث إنها بحكمه وكذا البحث عن اعتبار الظنون الشخصيّة فإنه بحث عن لحوقها بالعلم فلا حاجة إلى جعل الظن في المقام قسيما للعلم واما الشكّ فقد تبيّن فساد اعتباره في مجارى الأصول حتى من حيث إنه جهل وحاصل الكلام ان احكام الباب تدور مدار العلم واختلافها انّما هو باختلاف اقسامه والالتفات لا دخل له في شيء من احكام الباب بل لا يتوقف عليه ذات العلم أيضا ضرورة مجامعته مع الغفلة بل النسيان في انّ التردد والشك لا يمكن حصوله الّا للملتفت نعم التردد والشّك لا يمكن حصوله الّا للملتفت وكذا القطع الأعم من العلم والجهل المركّب لا حكم له فان الحجيّة بمعنى تماميّة التكليف وانقطاع عذر المكلّف في العمل به انّما هي في انكشاف الواقع وهو العلم وسيظهر لك ان الحجيّة المبحوث عنها الثابتة بالبراهين انما هي هذا المعنى ولا اشكال في انه لا معنى لثبوتها للجهل المركّب فالجهل المركّب له جهتان جهة عدميّة وهي خفاء الواقع ومن هذه الجهة يشارك الجهل البسيط وقد عرفت انه لا حكم له أصلا وجهة وجوديّة وهي الاعتقاد بحكم غير ثابت لو اتفق كونه كذلك وحينئذ فإن كان الحكم وجوبيّا أو تحريميّا فلا يترتّب على هذا الاعتقاد الّا تحقق التجرى في مخالفته وهذا ليس من الحجيّة المبحوث عنها في المقام وبالجملة فالحجيّة الثابتة للعلم عبارة عن انه وصول إلى الواقع والمعذورية بالجهل معنى مباين لهذا المعنى بل يقابله لان الجهل عبارة عن المحجوبيّة والبعد عن الواقع فلا جامع بين الحكمين ومجرد اشتراكهما في الاشتمال على الجزم لا يكفى في جعل الجامع عنوانا للاحكام المتباينة فالاعتقاد بانتفاء التكليف مع ثبوته في الواقع احتجاب شديد وصاحبه أولى بالعذر من الجاهل بالجهل البسيط ولكن الأثر المترتب عليه انّما هو الذي ترتب على البسيط ولا يشارك العلم بل يقابله والاعتقاد بثبوت تكليف غير ثابت لا يتصف بما يتصف به العلم من كونه وصولا إلى الواقع وكشفا للحجاب وتتميما للتكليف وانما يتحقق به عنوان التجرى نعم لا يتميز العلم عن الجهل المركّب في نظر القاطع وكل قاطع يرى نفسه عالما فيعامل مع غير العلم معاملة العلم